الشيخ عبد الغني النابلسي

404

جواهر النصوص في حل كلمات الفصوص

لكمات اللّه تعالى كما قال سبحانه : لا تَبْدِيلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ [ يونس : 64 ] . وليست كلمات اللّه تعالى سوى أعيان الموجودات المحسوسة والمعقولة والموهومة فينسب بالبناء للمفعول إليها ، أي إلى الأعيان الموجودات القدم فيصح أن يقال أنها قديمة من حيث ثبوتها بالعدم الأصلي في حضرة العلم الإلهي القديم وينسب أيضا إليها ، أي إلى الأعيان الموجودات الحدوث فيصح أن يقال إنها حادث من حيث وجودها المرئي لها وظهورها به كما تقول حدث عندنا اليوم إنسان أو حدث ضيف زائر ، أي حدثت له صفة العندية والضيفية لا حدث هو في نفسه ولا يلزم من حدوثه أنه ما كان له وجود قبل هذا الحدوث الذي وقع الإخبار عنه ولذلك ، أي لأجل ما ذكر قال تعالى في حق كلامه العزيز ، أي في إتيانه بإنزاله على النبي صلى اللّه عليه وسلم مع قدم كلامه تعالى ، أي كونه قديما وليس بحادث ما يَأْتِيهِمْ ، أي الكافرين مِنْ ذَكَرٍ ، أي قرآن مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إتيانه عندهم مع قدمه إِلَّا اسْتَمَعُوهُ بآذانهم وَهُمْ يَلْعَبُونَ [ الأنبياء : 2 ] بقلوبهم وعقولهم في أحوال دنياهم ويلعبون به بأن يترنموا بكلماته ويطربوا بها من غير تدبر للمعاني ولا عمل بها . وقال تعالى أيضا : وَما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمنِ مُحْدَثٍ [ الشعراء : 5 ] ، إتيانه أيضا مع قدمه إِلَّا كانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ لاشتغالهم بدنياهم أو بتحسين كلماته وتجويد ألفاظه من غير التفات إلى تدبر معانيه والعمل به والرحمن سبحانه لا يأتي إلا بالرحمة لأن العالم كله ما ظهر إلا بها وهي التي وسعت كل شيء ومن أعرض عن الرحمة كما قال إلا كانوا عنه معرضين استقبل العذاب الذي هو عدم الرحمة ، لأنه نقمة . * * * وأمّا قوله : فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبادِهِ [ غافر : 85 ] إلّا قوم يونس ، فلم يدلّ ذلك على أنّه لا ينفعهم في الآخرة بقوله في الاستثناء إلّا قوم يونس . فأراد أنّ ذلك لا يدفع عنهم الأخذ في الدنيا ، فلذلك أخذ فرعون مع وجود الإيمان منه . هذا إن كان أمره أمر من تيقّن بالانتقال في تلك السّاعة . وقرينة الحال تعطي أنّه ما كان على يقين من الانتقال أنّه عاين المؤمنين يمشون على الطّريق اليبس الّذي ظهر بضرب موسى بعصاه البحر . فلم يتيقّن فرعون بالهلاك إذ آمن ، بخلاف المحتضر حتى لا يلحق به .